ابو القاسم عبد الكريم القشيري

285

لطائف الإشارات

التأنّى والثبات والسكون . وإذا بدا من التقدير حكم فلا استعجال لهم لما يرد عليهم ، بل يتقبلون مفاجأة التقدير بوجه ضاحك ، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردّ والقبول ، والمنع والفتوح بوصف الرضاء ، ويحمدون الحق - سبحانه وتعالى - على ذلك . « سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ » : تعالى عما يشركون بربهم ، والكفار لم ييسر لهم حتى أنّه لا سكن لقلوبهم من حديثه . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 2 ] يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 ) ينزل الملائكة على الأنبياء - عليهم السلام - بالوحي والرسالة ، وبالتعريف والإلهام على أسرار أرباب التوحيد وهم المحدّثون . وإنزال الملائكة على قلوبهم غير مردود لكنهم لا يؤمرون أن يتكلموا بذلك ، ولا يحملون رسالة إلى الخلق . ويراد بالروح الوحي والقرآن ، وفي الجملة الروح ما هو سبب الحياة ؛ إمّا حياة القلب أو حياة الدنيا . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 3 ] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 ) خلقها بالحق ، ويحكم فيها بالحق ، فهو محقّ في خلقها لأنّ له ذلك ، ويدخل في ذلك أمره بتكليف الخلق ، وما يعقب ذلك التكليف من الحشر والنّشر ، والثواب والعقاب . « تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ » : تقديسا وتشريفا له عن أن يكون له شريك أو معهم ليك قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 4 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) تعرّف إلى العقلاء بكمال قدرته حيث أخبر أنه قدر على تصوير الإنسان على ما فيه من التركيب العجيب ، والتأليف اللطيف ؛ من نطفة متماثلة الأجزاء ، متشاكلة في وقت الإنشاء ، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء ، والخروج من الخفاء . ثم ما ركّب فيه من تمييز وعقل ،